عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
148
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
والليلة حتى أرى ما يصنع ، فلزمته بقية يومي ، فلما كان العشاء اخترق الأزقة وأخذ منها سبع كسرات ، وأتى إلى باب دار فطرقه ، فخرجت إليه عجوز وقالت : يا قضيب البان ، أبطأت عليّ ، فناولها تلك الكسر ، وانصرف حتى أتى إلى باب الموصل وهو مغلق ، فانفتح له فخرج وأنا خلفه ومشى يسيرا ، وإذا بنهر يجري وعنده شجرة ، فخلع ثيابه واغتسل في ذلك النهر ، وعمد إلى ثياب معلقة على تلك الشجرة فلبسها ، وانتصب يصلّي إلى أن طلع الفجر ، وغلب عليّ النوم فما استيقظت إلا بحر الشمس وأنا في صحراء مقفرة ، لا أرى أحدا ولا يترائى لي أحد ، لا قريب ولا بعيد . فوقفت متحيرا لأمري بأي أرض أنا ، فمرّ بي ركب ، فأتيتهم وسألتهم وقلت لهم : أنا من الموصل وخرجت منها الليلة وقت العشاء ، فأنكروا أمري ، وقالوا : ما ندري أين يكون الموصل ، فتقدم إليّ منهم شيخ كبير وقال لي : أخبرني بقصتك ، فأخبرته فقال : واللّه لا يقدر على ردّك إلى الموصل إلا الذي جاء بك إلى ها هنا ، يا أخي أنت ببلاد المغرب وبينك وبين الموصل مسيرة ستة أشهر ، فامكث هاهنا لعله يعود ، ثم مضوا وتركوني ، فلما كان الليل إذا أنا بقضيب البان قد نزع ثيابه واغتسل وقام يصلّي إلى الصبح ، فلما طلع الفجر نزع تلك الثياب وليس أحدا معه وسار ، فتبعته فلم يلبث إلا يسيرا حتى جئنا الموصل ، فالتفت إليّ وعرك أذني ، وقال لي : لا تعد إلى مثلها ، وإيّاك وإفشاء الأسرار ، قال : فوافينا الناس يصلون صلاة الصبح بالموصل . الحكاية الحادية والسبعون عن الشريف أبي عبد اللّه محمد بن الخضر بن عبد اللّه الحسيني الموصلي قال : سمعت أبي رحمه اللّه يقول : كنت سئ الظن بقضيب البان على كثير ما يبلغني من كراماته ومكاشفاته ، وكنت عزمت أن أكلم السلطان في إخراجه من الموصل ، إذ رأيت قضيب البان مقبلا من صدر الزقاق على هيئته المعروفة ، ولم يكن في تلك الساعة في ذلك الزقاق غيري وغيره ، فقلت في نفسي : لو كان معي أحد آمره بإمساكه ، فمشى خطوة فإذا هو على هيئة كردي بصورة غير صورته الأولى ، ثم مشى خطوة فإذا هو على هيئة بدوي بصورة غير الصورتين الأوليين ، ثم مشى خطوة فإذا هو في هيئة فقيه بصورة غير الصور المتقدمة ، فقال لي : يا قاضي هذه أربع صور أيتهن قضيب البان منهن حتى تكلّم السلطان في إخراجه ؟ قال : فلم أتمالك أن أكببت على قدميه أقبلهما واستغفرت .